محمد الغزالي
172
فقه السيرة ( الغزالي )
وهجرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من مكة إلى المدينة جرت على هذا الغرار ، فقد استبقى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم معه عليّا وأبا بكر ، وأذن لسائر المؤمنين بتقدّمه إلى المدينة . فأما أبو بكر رضي اللّه عنه فإن الرسول صلى اللّه عليه وسلم قال له حين استأذنه ليهاجر : « لا تعجل ، لعلّ اللّه أن يجعل لك صاحبا » « 1 » . وأحسّ أبو بكر رضي اللّه عنه كأنّ الرسول صلى اللّه عليه وسلم يعني نفسه بهذا الرد ! . فابتاع راحلتين فحبسهما في داره ، يعلفهما إعدادا لذلك . وأما عليّ رضي اللّه عنه فإنّ الرسول صلى اللّه عليه وسلم هيأه لدور خاص ، يؤديه في هذه المغامرة المحفوفة بالأخطار ! . قال ابن إسحاق : فحدّثني من لا أتّهم عن عروة بن الزبير ، عن عائشة ، أنها قالت : كان لا يخطئ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار : إما بكرة ، وإما عشيا ، حتى إذا كان اليوم الذي أذن اللّه فيه لرسوله في الهجرة والخروج من مكة من بين ظهري قومه ، أتانا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالهاجرة ، في ساعة كان لا يأتي فيها ، قالت : فلمّا راه أبو بكر ، قال : ما جاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في هذه الساعة إلا لأمر حدث ، فلمّا دخل ، تأخّر له أبو بكر عن سريره ، فجلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وليس عند رسول اللّه أحد إلا أنا وأختي أسماء ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أخرج عني من عندك » ، قال : يا رسول اللّه ! إنما هما ابنتاي ، وما ذاك - فداك أبي وأمي - ؟ . قال : « إنّ اللّه أذن لي بالخروج والهجرة » ، فقال أبو بكر : الصحبة يا رسول اللّه ؟ قال : « الصحبة » . قالت عائشة : فو اللّه ما شعرت قطّ قبل ذلك اليوم أنّ أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكي ! ! .
--> ( 1 ) رواه ابن إسحاق : 2 / 2 ، بدون إسناد ، لكن معناه فيما أخرجه البخاري : 7 / 183 - 197 ، من حديث عائشة الطويل في الهجرة ، بلفظ : « وتجهز أبو بكر قبل المدينة فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي » ، فقال أبو بكر : هل ترجو ذلك بأبي أنت ؟ قال : « نعم » . فحبس أبو بكر نفسه على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليصحبه ، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر - وهو الخبط - أربعة أشهر » ، ورواه أحمد أيضا : 6 / 198 ، ثم وجدت له شاهدا من حديث ابن عمر بلفظ : الكتاب ، رواه الطبراني بسند ، قال الهيثمي 6 / 62 : « فيه عبد الرحمن بن بشر الدمشقي ، ضعفه أبو حاتم » .